السعوديّة وإسرائيل الحلف غير المُعلن

أسعد أبو خليل *
نشرت «صنداي تايمز» أخيراً خبراً عن تقرير للموساد يفيد بأن السعوديّة ستسمح بعبور الطائرات الإسرائيلية فوق أراضيها إذا ما قرّرت ضرب إيران. وأضافت الصحيفة أن الموساد تعمل بجهد لتطوير العلاقة السريّة مع المملكة السعوديّة. طبعاً، السعوديّة نفت الخبر. والإعلام العربي يتجاهل كعادته أية أخبار تسيء إلى سمعة المملكة التي يتقاطر إليها ليبراليّو العالم للثناء على طقوسها في قطع الرؤوس ورجم العشّاق
الحديث عن علاقة بين السعوديّة وإسرائيل ليس ابن عصر بوش. فمن المعروف أن السعوديّة اختارت أن تكون بمنأى عن الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي منذ البداية.الملك عبد الله بن عبد العزيز (أرشيف) لم تكن في وارد النظر في أمر مساعدة شعب فلسطين لصدّ العدوان الصهيوني. طبعاً، كان الملك بن عبد العزيز ينظر بعين الريبة إلى كل ما يفعله الهاشميّون. لكن رغم نصائح مستشاريه من أهل الشام ومن الرحالة «فيلبي»، لم ينظر في أمر تدخل سعودي جدّي لنصرة شعب فلسطين. على العكس: كان عبد العزيز يمثّل الجناح الأكثر تآلفاً مع الصهيونيّة منذ الثلاثينيات. ولنتذكّر أن الموقف السعودي (كما نتبيّنه من وثائق الأرشيف البريطاني ومراسلات حافظ وهبة، مستشاره البولاقي) كان مهادناً لقرار لجنة «بيل» في 1937 بتقسيم فلسطين (وكان القرار يتضمّن طرد عشرات الآلاف من العرب من المواقع الخصيبة التي خُصِّصت لدولة يهوديّة). كذلك نصح بريطانيا بجعله أكثر قبولاً من العرب فيما كان العرب (وحتى بعض الحكومات) يرفضون القرار بالقاطع. لكن الحكومة السعوديّة خافت من أن تجاهر بموقف صريح من القرار المذكور، واختارت أن تلحق بالركب العربي في رفض القرار (علناً).

أراد الملك فهد أن يثبت لواشنطن أنّ خدمات السعوديّة لا تنحصر بالنفط ومعاداة الشيوعيّةوكان موقف الملك عبد العزيز تتحكّم به أهواء متناقضة: فهو كان كريهاً جداً في خطابه العنصري تجاه اليهود (كيهود) وتجاه ما كان يسمّيه «المرض اليهودي». وكان يخشى أن يؤثّر أي موقف مُعلن بمهادنة الصهيونيّة على الوضع الداخلي في المملكة، وخصوصاً أنّ النقمة على الحكم كانت تتنامى من جانب «الإخوان» المتشدّدين. كذلك كان الملك طامعاً بلقب خليفة المسلمين أو حاكم العرب المطلق، مع أن الملك المصري كان ينازعه في هذا الطموح. وإذا كان هناك من أي ترسّب لمعارضة سعوديّة للصهاينة، فإنها لم تكن تتعلّق بشعب فلسطين: كان الملك يخشى فقط توسّع الدولة اليهوديّة المُزمعة وإلحاق أراضٍ سعوديّة بها. لكن الارتباط السعودي بالحكم البريطاني (بالرغم من تودّد سعودي نحو الحكم النازي في أواخر عام 1937، لكن عبد العزيز عاد وثبّت تحالفه الذيلي مع بريطانيا بعد تمنّع هتلر عن بيعه السلاح ـــــ ويحتفظ الملك السعودي الحالي في مكتبه الخاص بخنجر نازي ممهور بالصليب المعقوف مُهدى من هتلر إلى عبد العزيز، كما أخبرني سفير أميركي سابق في السعوديّة).
لكن الأبرز في الموقف السعودي من القضيّة الفلسطينيّة والموقف من الصهيونيّة كان في تلك المبادرة السريّة للرحالة «فيلبي» (وهو أبو الجاسوس المعروف فيلبي). مبادرة فيلبي لا تزال سرّ الأسرار (خصوصاً في العالم العربي) والوثائق البريطانيّة لا تعلم عنها الكثير. ما نعلمه أن الرحالة «فيلبي» جال في بريطانيا في أواخر الثلاثينيات والأربعينيات مُروِّجاً لفكرة بيع فلسطين لليهود مقابل 20 مليون جنيه إسترليني تُدفع نقداً للملك عبد العزيز، بالإضافة إلى تبنٍّ بريطاني (وصهيوني ضمني) لجعل عبد العزيز ملكاً على كلّ العرب. لم يتحدّث «فيلبي» يوماً عن تفاصيل المبادرة وخلفيّتها،الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز (أرشيف ــ رويترز) والسعوديّة كعادتها تلعب السياسة بالسرّ، وغالباً ما تأتي التصاريح العلنيّة إما لستر فضيحة وإما لإخفاء مؤامرة شنيعة. لكن الحكومة البريطانيّة أخذتها على محمل الجدّ وبحثتها رسميّاً مع حاييم وايزمان في عام 1942، كذلك فإنّ الرئيس الأميركي، روزفلت، كان على علم مسبق بها. ولا ندري إذا كان الدبلوماسيّون السعوديّون الذين كانوا يلتقون دوريّاً بالمسؤولين الصهاينة (كما روى بن غوريون في كتابه عن لقاءاته مع العرب) قد بحثوا في شأن تلك المبادرة. والمؤرخة القديرة إليزبث مونرو (التي كتبت تاريخاً مرجعيّاً عن أفول السياسة البريطانيّة في الشرق الأوسط) أدرجت قسماً في سيرتها عن «فيلبي» لتحليل القليل المعروف عن المبادرة. فقد ذكرت أن الملك السعودي كان مضطرّاً للنأي بنفسه عن المبادرة بسبب الخوف من ردّة الفعل لأنها تسرّبت إلى دول لم يُفترض أن تعلم بها. وافترضت مونرو أنها أتت من «فيلبي» أصلاً مع أنها لم تقدّم دليلاً. النفي السعودي الرسمي لا يبدِّد الشك، بل يزيده. ما علينا. ماتت تلك المبادرة، وإن كنّا نعلم من خلالها أن آل سعود كان يمكنهم أن يبيعوا فلسطين وشعبها بنحو عشرين مليون جنيه. لم تُبَع فلسطين، والملك السعودي لم يتّسع ملكُه.
لكن الدور السعودي الرسمي خفت بعد إنشاء دولة فلسطين. الصراع بين أخوة آل سعود في الخمسينيات وأوائل الستينيات (حتى تثبيت دعائم حكم فيصل) ساد في تلك الفترة، وكانت السياسة الخارجيّة مهووسة بالصراع مع عبد الناصر، كما يروي «مالكولم كرّ» في كتابه عن «الحرب العربيّة الباردة». لكن الملاحظ أن آل سعود شاركوا العداء الإسرائيلي لعبد الناصر، ومثّلوا جزءاً من التحالف الأميركي الغربي ضد الشيوعيّة، الذي كانت إسرائيل جزءاً منه. وهنا المهم. لا نستطيع اليوم التحدّث بملء الثقة عن معلومات أو أسانيد لعلاقات رسميّة بين السعوديّة وإسرائيل في تلك الحقبة أو ما تلاها. قد ننتظر سنوات وعقوداً طويلة قبل نشر الوثائق المتعلّقة بذلك. والحكم السعوديّ أكثر تكتّماً من كلّ الأنظمة العربيّة بسبب الهوّة بين السياسة المُعلنة والسياسة الحقيقيّة. العقيدة الوهابيّة والزعم بحماية الحرميْن لا يسمحان بالصراحة من سلالة لم تحد عن طاعة الراعي البريطاني والأميركي. لكن ليس من الصدفة أن السعوديّة كانت جزءاً من أحلاف متعاقبة على مرّ التاريخ العربي الحديث إلى جانب الولايات المتحدة و… إسرائيل. كل الأحلاف المعادية لأميركا وإسرائيل في المنطقة العربيّة كانت في الخندق المقابل للحكم السعودي. صدفة؟
والملك فيصل عزّز من أواصر الحلف مع المعسكر الرجعي المحلّي والعالمي بعدما استولى على كلّ السلطة. كان الخطاب السعودي الكريه تجاه اليهود (لكونهم يهوداً) لا يمثّل سياسة سعوديّة رسميّة تجاه إسرائيل: على العكس. كان الخطاب العنصري يمثّل غطاءً لسياسة مهادنة نحو إسرائيل على مرّ العقود. كان فيصل يجهر بكراهية تجاه اليهود والشيوعيّة، ولا يميّز بيْن الاثنيْن. لكن هذا لم يمنعه من تعليق عدائه المُعلن لليهود (لكونهم يهوداً) في لقاءاته العديدة مع من تنتدبهم واشنطن للقائه مثل هنري كيسنجر الذي كان عزيزاً جداً على قلب الملك الذي كان يجد صعوبة في ردّ طلباته. ووقف الحظر النفطي (الشكلي، لأن بيع النفط السعودي في السوق الفوريّة استمرّ من دون توقّف) في 1973 أتى تلبية لطلب من «العزيز هنري». وخطاب فيصل ضد اليهود كان شكليّاً بالنسبة إليه لأنه لم يكن يتورّع عن ترداده حتى في لقاءاته مع اليهود الصهاينة. لكن طبيعة التحالف أو التعاون مع إسرائيل في عهده كانت سريّة للغاية، ولا نملك إلا التهكّن والملاحظة هنا. أعداء إسرائيل كانوا هم أعداء السعوديّة، وكان الملك السعودي ينطق بكلام عام لا معنى له عن النيّة بالصلاة في القدس (سبقه إلى ذلك أنور السادات). لكن المملكة كانت تموّل خطاب الإخوان والسلفيّة الجهادي لأسباب تتعلّق باستجداء المشروعيّة السياسيّة في عهد عبد الناصر، كذلك فإنّ التيّاريْن كانا مهادنيْن لإسرائيل. شغلهما الصراع مع الأنظمة الاشتراكيّة على ما يبدو.

لا نستطيع في عهد
الملك عبد الله التحدّث عن سياسة خارجيّة سعوديّة، بل عن سياسات خارجيّة للأمراء السعوديّينأما ما نُشر من وثائق من تلك الفترة في أميركا، فيبرز الدور السعودي في الضغط على حركة فتح لإسعاد الحكومة الأميركيّة. وقد نصل في تأريخ رصين لحركة فتح لدور سعودي خفي في الصعود المفاجئ أواخر الستينيات لياسر عرفات وجناح خالد الحسن في حركة فتح، وكان عامل المال مقرّراً. هناك من يشير ـــــ دفاعاً عن آل سعود، والدفاع عن آل سعود مهنة مثلها مثل المهن الأخرى في العالم العربي، وإن درّت أرباحاً أكبر ـــــ إلى العطاءات والتمويل السعودي لحركات فلسطينيّة. أولاً، إن المال السعودي كان في أكثره مالاً فلسطينياً مُقتطعاً من ضرائب تُجبى من الحكومة السعودية وتُعلن (في الماضي لأنها توقّفت) لغايات دعائيّة فقط. ثانياً، أما بعض الأموال السريّة والعلنيّة التي دفعتها بعض الأنظمة الخليجيّة لمنظمات فلسطينيّة، فهي كانت أقرب إلى خوّات أو دفعات ضمانة: كانت المنظمات المَحظيّة تتكفّل بحماية الأنظمة من أي نوع من الاعتداءات على أراضيها. قصة أبو أياد مع حكومة الإمارات معروفة: كيف وشى أبو أياد بمجموعة بقيادة أبو العبّاس كانت تنوي سرقة بنك في الإمارات. لم تعلم حكومة الإمارات أن أبو العباس حصل على جوازات السفر المُزوّرة من أبو أياد نفسه. وحصل أبو أياد على مبلغ كبير (لمصلحة جهازه) لوشايته. ولا ننسى أن بعض قيادات حركة فتح كانت تقوم بخدمات قذرة بالنيابة عن الاستخبارات السعودية، كما حصل مع المعارض السعودي، ناصر السعيد، الذي تعرّض للخطف من واحد من أسوأ الفاسدين في الثورة الفلسطينيّة في لبنان، أبو الزعيم (الذي انتفض في عام 1986 على ياسر عرفات بإيعاز أردني)، على ما يعتقد كثيرون.
أما حكم الملك فهد (والإخوة السديري)، فقد بدأ في عهد الملك خالد، لأن الأخير انصرف ـــــ على غير عادة أمراء آل سعود ـــــ للتقوى والورع، فيما انصرف الملك فهد لشؤون الحكم وشؤون ابتكار اللذّات، وخصوصاً المحرّمة. والملك فهد ارتقى بالعلاقات مع واشنطن إلى درجة التعاون في الأعمال الاستخباريّة السريّة في مناطق بعيدة جدّاً عن الشرق الأوسط. أراد فهد (الذي لا يزال رضوان السيّد يتفجّع عليه على الأقنية السعوديّة) أن يُثبت لواشنطن أن خدمات السعوديّة لا تنحصر بالنفط ومعاداة الشيوعيّة. أراد فهد إثبات الجدوى الاستراتيجيّة. الدور السعودي انتشر إلى أفريقيا وحتى إلى أميركا اللاتينيّة في عصر ريغان. لكن تظهير التحالف السعودي ـــــ الإسرائيلي برز بعد أحداث 11 أيلول.
نستطيع أن نحلّل مختلف أبعاد السياسة الخارجيّة السعوديّة ومنطلقاتها ومُقرِّراتها من جوانب مختلفة. لكن عنصر ما سمّاه المعارض السعودي فهد القحطاني في كتابه القيّم عنه «صراع الأجنحة» برز بعد 11 أيلول. لا نستطيع في عهد الملك عبد الله أن نتحدّث عن سياسة خارجيّة سعوديّة. نستطيع فقط أن نتحدّث عن سياسات خارجيّة للأمراء السعوديّين: لكل أمير سياسة خارجيّة خاصة به وجهاز استخباري خاص به. فالصلح السعودي ـــــ القطري مثلاً، لم يعبّر عن توجّهات الأمير سلمان (الساعي بجهد وراء المُلك، الذي تلقّى صفعة قويّة بإبعاده عن ولاية العهد عبر تعيين شقيقه، نايف، خليفة لسلطان، وخصوصاً أن نايف هو الأمير الأقل شعبيّة بين الأمراء ربما بسبب تمرّسه بالتعذيب في وزارته وفي بثّ الذعر من خلال شرطة الأخلاق السلفيّة، مع أنه يحظى بتأييد شديد من سمير عطا الله الذي ينفي ـــــ إيه يا محسنين ومحسنات ـــــ عن نفسه تهمة التملّق لأمراء آل سعود، أي إن مديحته للأمير مقرن كانت خالصة وصافية في عواطفها). وإعلام الأمير سلمان (في جريدة الشرق الأوسط) يسير في نهج مستقل عن سياسات الملك عبد الله ونياته (والأمير سلمان، مثله مثل الأمير سلطان، يلازم قصره في المغرب منذ أشهر طويلة سعياً وراء الراحة، وهي غير «راحة الحلقوم»). والأمير بندر كان يتمتّع بدرجة عالية من السلطة في أمور الاستخبارات والسياسة الخارجيّة، وذلك بسبب قربه من عمّه فهد، لا من أبيه سلطان (يمكن مراجعة سيرة بندر لويليام سمبسون ـــــ غير النقديّة ـــــ التي يتطرّق فيها إلى نشاطات السعوديّة في آسيا وأفريقيا دعماً لحركات مناهضة للشيوعيّة، كذلك فإنه يتعرّض للعلاقة الباردة بين بندر وأبيه).
لكن موت الأمير فهد فتح الباب واسعاً أمام صراعات الأجنحة: لم يتآلف من بقي من الأخوة السديريّين مع فكرة الملك عبد الله ملكاً، وخصوصاً أنّه برز ضعيفاً أمامهم لأنه لا أخوة أشقاء له. وجناح أبناء الملك فيصل لم يتقبّل فكرة استمرار بندر في إدارة العلاقات مع واشنطن: وهذا ما دفع الأمير تركي إلى الاستقالة من منصب السفير بعدما تبيّن له أن بندر لا يزال يقوم بزيارات سريّة من وراء ظهره إلى واشنطن لغايات لا علم له بها. كان تركي كالسفير المخدوع. لكنّ الأكيد أن بناء العلاقة بين إسرائيل والسعوديّة وتوثّقها بدآ (أو كبُرا) بعد 11 أيلول. علم الحكم السعودي أن تدهور العلاقات مع أميركا لا يمكن إلا أن يمرّ عبر إسرائيل: وهذا السرّ مكنوه من كل الحكّام العرب. بدأت السعوديّة عبر أكثر من صلة الاتصال المباشر مع الحكومة الإسرائيليّة كما ذكرت تقارير صحافيّة. هناك من يقول إن بندر كان مُبادراً، لكن العلائم كانت بادية. سعوديّون يتقاطرون للحديث عن الخطر الإيراني أمام الذراع الفكرية للوبي الصهويني في واشنطن (الذي استضاف أيضاً وليد جنبلاط ـــــ في مرحلة الغشاوة الثانية التي انقشعت بعد 7 أيار ـــــ ونهاد المشنوق ومصباح الأحدب، السلفي المُتنوِّر). لكن جوانب التقارب مع، أو قُل التملّق السعودي نحو، إسرائيل تبلورت في مبادرة توماس فريدمان. حلم الملك السعودي بموافقة إسرائيليّة تكفل له الخروج العلني بحلفه مع إسرائيل. لكن كان عليه أن يقبل أكثر (ويزهو مروان المعشر في كتابه عن «الوسطيّة العربيّة» بدوره في محاربة حق العودة في المبادرة «العربيّة») ما يسبّب إحراجاً له في صراع الأجنحة وفي محاولته البروز كملك السنّة العرب غير المُتوّج.
لكن جوانب الاتفاق مع إسرائيل كانت على أكثر من صعيد: توقفت السعوديّة على الفور عن دعم أي فصيل فلسطيني يدعو إلى الكفاح المسلّح ضد إسرائيل. حتى التبرّعات السعوديّة الخاصة والشعبيّة (والشعب السعودي على خلاف حكّامه متعاطف بقوة مع شعب فلسطين) تعرّضت للتحريم الرسمي. انحصر الدعم السعودي بعصابات الدحلان التي تتلقّى الدعم الأميركي والإسرائيلي. أي إن الدور السعودي في القضيّة الفلسطينيّة يمرّ اليوم بما هو مُجاز إسرائيليّاً. وفي حرب تموز، توضّحت الصورة أكثر بعدما أدّى اغتيال رفيق الحريري إلى عداء قوي للنظام السوري وإلى رسم حدود الفريقيْن في لبنان، وكانت السعودية إلى جانب الفريق الذي يعارض مقاومة إسرائيل. والإعلان السعودي المُبكِّر في دعم إسرائيل في عدوان تمّوز كان سابقاً لأوانه ومثّل (ولا يزال يمثّل بالمقياس التاريخي، وإن تمنّع حزب الله عن انتقاد السعوديّة ربما تلبيةً لطلب إيراني بالمهادنة) إحراجاً لموقف المملكة من الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي. لكن البيان صدر عن «مصدر مسؤول»، والإشارة يمكن أن تخفي صراع الأجنحة على السياسة الخارجيّة، وهزيمة حزب الله التي كان يمكن أن تخرج بالحلف الإسرائيلي ـــــ السعودي إلى العلن، لم تتحقّق. سارعت المملكة كعادتها لمحاولة إنقاذ نفسها عبر إعلان برنامج مساعدات سخيّ للبنان (وصل بعض هذه الإعلانات فقط وبعضها الآخر أسهم في إنجاح فريق «الأمير مقرن أولاً» في الانتخابات النيابيّة) للتغطية على الموقف المُبكِّر. ساعدت إسرائيل السعودية عندما سمحت فقط لأعوانها من الأنظمة العربيّة بالهبوط في مطار بيروت لتقديم المساعدة للبنان أثناء العدوان. العداء لحماس بعد انهيار اتفاق مكة أسهم في تعزيز أواصر الصداقة الوهابيّة ـــــ الصهيونيّة، وسارع الملك عبد الله إلى الترويج لمبادرة أخرى: الحوار بين الأديان.
وهناك بعض الأسئلة البريئة: هل يفترض الحوار بين الأديان اختصارها بالإسلام ممثلاً بالملك السعودي واليهوديّة ممثّلة بشمعون بيريز (حتى حليف السعوديّة في لبنان، بطريرك الموارنة ـــــ العروبي ليوم واحد فقط ـــــ لم يُدعَ إلى الحوار بين الأديان، مع أن البطريركيّة المارونيّة حاورت الصهيونيّة قبل توقيع الاتفاق السرّي بين البطريركيّة والحركة الصهيونيّة في عام 1946)؟ هل الصدفة وحدها وراء الترويج لمعلّقين غربيّين (وعرب) من عتاة الصهاينة في الغرب؟ هل الاستفادة من حكمة البريطاني عادل درويش في كل الإعلام السعودي تدخل في باب الصدفة، مع أنه ليكودي عريق، وقد أسّس في لندن منظمة لمناصرة إسرائيل في الإعلام البريطاني؟ هل الصدفة هي في التخفيف من وتصغير تغطية حجم المعاناة الفلسطينيّة في الإعلام؟ هل هذا التركيز على الرياضة والتسلية والمنوّعات المبتذلة (التي تروّج لتسليع المرأة وإهانتها) في الثقافة المُموّلة سعودياً على حساب أخبار السياسة هو أيضاً صدفة؟ هل الحماسة الإسرائيليّة للفتنة السنيّة ـــــ الشيعيّة وتنصيب شمعون بيريز مفتياً في شؤون المسلمين في الإعلام الغربي والسعودي صدفة؟ هل المسارعة السعوديّة للترويج للخطر الإيراني عندما تكون إسرائيل تخوض غمار عدوانها على لبنان وفلسطين هي صدفة أيضاً؟ هل المؤامرة لاحتلال العراق والتلاقي السعودي ـــــ الإسرائيلي جريا من دون تنسيق وتوزيع أدوار؟ هل إعلان النظام العربي الأمني بقيادة الأمير نايف «الحرب على الإرهاب» والاستعارة من مصطلحات إسرائيل ووسائلها (من يلاحظ في لبنان مثلاً أن إعلان «الحرب على الإرهاب» هناك تزامن مع تدمير مخيم فلسطيني آهل بالسكّان؟) هل كان انسحاب السعوديّة من المقاطعة العربيّة لإسرائيل هكذا أمراً عفوياً لا سابق ولا لاحق له؟ وهل التناغم والغزل بين الإعلام الإسرائيلي والصهيوني عامةً والإعلام السعودي هو أيضاً محض صدفة؟ ولماذا اضمحلّت وزالت بعض الأصوات الليبراليّة في الغرب التي كانت تندّد باستمرار بخرق حقوق الإنسان في السعوديّة؟
إذا كان «فيلبي» قد عرض مشروعاً سعودياً لبيع فلسطين للصهاينة مقابل 20 مليون جنيه، فإن خادم الحرميْن الحالي قد يعرض في يومٍ ما بيع الحرميْن مقابل أقلّ من ثلاثين من الفضة.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)

http://www.al-akhbar.com/ar/node/148727

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: